محمد خليل المرادي

25

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وكان المترجم مشتغلا أيضا مع الطلب بنسخ الكتب . ويكتب الخطّ المضبوط النيّر . كتب بخطّه كتبا كثيرة من النحو وغيره . وكتب تاريخ الأمين مرّات ، وشرح دلائل الخيرات ، وشرح تاريخ العتبي للشيخ أحمد المنيني . وسكن مدّة بمدرسة الطيبية ، وتعرف بمدرسة الكوافي « 1 » تابع القيمرية . ومع هذا الاشتغال ، يحضر دروس الشيخ إسماعيل في الحديث ، وتتردّد إليه طلبة العلم ، ويطالعون عليه الفاكهي ، مع حاشيته للشيخ ياسين ، وشرح الشذور ، وشروح الألفية . وكان جيّد المطالعة مع الفهم الثاقب والذكاء التّام . ثم انتقل من المدرسة المذكورة إلى الشاغور ، وفتح مكتبا يقال له مكتب الشيخ قاسم الفقيه . وكان عفيفا ديّنا له شرف نفس ووقار . وكان انتقاله بطلب أهل محلّة الشاغور لرغبتهم فيه في المهمّات الفقهية وعقد الأنكحة وكتابة الأواجير والضمانات والصكوك . وكان له شعر ونثر قليل . فمن ذلك ما كتبه إلى الشيخ أحمد المنيني الدمشقي وهو إذ ذاك في دار الخلافة قسطنطينية بقوله : عنوان الفضل وبسملة كتابه ، ومقلّد بابه وفضل خطابه . إكليل تاج الدّهر ، ودرّة عقد المجد والفخر . الجناب الرفيع العالي ، والبدر المنير المتلالي . سيّدنا ومولانا . بعد حمد اللّه تعالى مؤلّف القلوب وإن كانت لأجساد نائية ، والجامع بينها بعد بينها ، فأصبحت بقدرته في عيشة راضية . أقبّل يدي المولى لا زالت مقاليد السّعادة طوع يديه ، ولا برحت مرقاة السّيادة مشرفة بلثم قدميه . وأهديه سلاما تتناسب جداول المحبّة في رياض أسراره ، وتبدر لوامع المودّة من فلك سماء أنواره . وأبثه ثناء عمّ نشره أكناف تلك الربوع والمنازل . واعتقادا أقام على برهان صدقه أوضح الدلائل ، وأوليه دعاء على ممر الدهور لا ينقضي . وابتهالا بأكفّ الضراعة للإجابة مقتضي . أن يديم على صفحات خدود وجه الكون شامة دهره . ويمتع الوجود ببقاء أوحد وقته ومفرد عصره . من ملك من الفضل زمامه فانقاد إليه الجواد . وجرى في ميدانه فأحرز قصب السبق بفكره الوقّاد . الحبر الذي فاق بجميل صفاته الأوائل ، والبحر المشتمل بذاته على جوهر الفضائل . الفصيح الذي إن تكلّم أجزل وأوجز ، وأسكت كلّ ذي لسن ببلاغته وأعجز . من تحلّى كلامه بقلائد الدرر والعقيان . وفاق نظامه على بلاغة قسّ وفصاحة سحبان . عامر أندية المجد والكرم ، وناشر أردية الأدب والحكم . للّه درّ إمام كلّه أدب . بفضله تتحلّى العرب والعجم . فلا برح ينبوع البلاغة يتفجّر من بنانه ، ويتلاعب بأساليب البراعة على طرف لسانه .

--> ( 1 ) هي مسجد صغير في القيمرية ، جعل مدرسة باسم مدرسة أبي العلاء المعرّي . ثمار المقاصد / 248 .